رصدت "النهرين" تقريراً لمنظمة الصليب الأحمر الدولي، بعنوان "العراق: تحسين سبل العيش من خلال الخدمات البيطرية"، سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي تخلفها هذه النزاعات، مؤكدة أن آثارها لا تقتصر على الدمار المادي فقط بل تمتد لتعطيل مصادر الرزق وتهديد القطاعات الحيوية، ورصد التقرير ان "محافظة الأنبار تعد من أكثر المناطق تضرراً بالنزاعات المسلحة، حيث تراجع فيها النشاط الزراعي والتجاري بشكل ملحوظ، كما تأثرت مؤسسات أساسية بينها العيادة البيطرية في قضاء راوة، والتي فقدت قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية لمربي المواشي والدواجن ومنتجي الأسماك".
تفاصيل تقرير المنظمة:
النزاعات يُمكن أن تنتهي، إلا أنها تخلّف ندوبًا على
الأفراد – بل وعلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات على حدٍ سواء، إذ أدّت
النزاعات المسلحة السابقة التي شهدتها مناطق مختلفة في عموم العراق إلى قطع
الأرزاق، وتعطيل الأعمال التجارية المحلّية، وتدمير البنى التحتية في هذه المناطق.
ففي محافظة الأنبار، والتي تُعدّ من أشدّ المناطق تضررًا
بهذه النزاعات في العراق، عانت قطاعات أساسية فيها مثل الزراعة والتجارة من أضرار
جسيمة، وتأثّرت أيضًا مؤسسات حيوية، مثل العيادة البيطرية في قضاء راوة، تأثيرًا
بالغًا جرّاء ذلك مما حرم المزارعين من الحصول على أدنى خدمات الرعاية الصحية
الأساسية لحيواناتهم.
ما زال مربو المواشي، ومربو الدواجن، ومنتجو الأسماك في
محافظة الأنبار يعانون من التداعيات الواسعة للنزاع المسلح الذي اندلع بين عامي
2014 و2017، مثل انخفاض القدرة الشرائية وندرة الفرص الاقتصادية. ونتيجة لهذه
التداعيات، أصبحت الخدمات البيطرية اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط
للحفاظ على صحة الحيوان، بل أيضًا لإحياء الاقتصاديات المحليّة وخلق فرص اقتصادية
للمجتمعات التي تضرّرت جرّاء النزاع.
مدينة راوة، والتي تقع على بعد حوالي 320 كم من بغداد على الضفة الشمالية لنهر الفرات، كانت تعدّ لفترة طويلة مركزًا رئيسيًا لمربي المواشي والمنتجين الصغار. ومع ذلك، وخلال النزاع المسلح الأخير، تأثّرت العيادة البيطرية هناك على نحوٍ كبيرٍ بسبب الأعمال القتالية التي شهدتها المنطقة، مما جعلها غير قادرة على تقديم حتى أبسط الخدمات الأساسية للمجتمعات المحلية المحيطة بها. ونتيجة لذلك، تأثر أكثر من 2,000 من المزارعين والمربين المحليين اقتصاديًا.
وللتغلّب على هذه الظروف القاسية، قدّمت اللجنة الدولية
الدعم الأساسي لهذه المؤسسة، وذلك من خلال تزويدها بالمعدات الضرورية مثل جهاز
فحصٍ بالموجات فوق الصوتية محمول، وأدوات جراحية، ومواد مختبرية، وطاولة فحص ذات
نظام هايدروليكي، وثلاجة لحفظ الأدوية تعمل على الطاقة الشمسية، والتي تعد ضرورية
للتخفيف من الآثار السلبية للطاقة الكهربائية غير المستقرة. وقد كان هذا الدعم
حيويًا بالنسبة للعيادة من أجل ضمان تحسين خدمات الرعاية الصحية للحيوانات،
والوقاية من الأمراض، ورعاية الحيوانات بشكلٍ عام.
وأشار السيد أحمد إلى أن اللجنة الدولية أجرت في عام
2024 تقييمًا ميدانيًا شاملًا للمؤسسات البيطرية في عموم أنحاء محافظة الأنبار، مع
التركيز بشكلٍ خاصٍ على المناطق الغربية، حيث لا تزال العوائل العائدة في مرحلة
العودة.
وتبيّن خلال التقييم بأنّ النزاع المسلّح لم يخلّف
أضرارًا بعيادة راوة البيطرية فحسب، بل أدّى إلى تدمير العيادة البيطرية المحليّة
في قضاء القائم بالكامل. ونتيجة لذلك، يعمل الفريق البيطري في قضاء القائم حاليًا
من مكتب مؤقت، ويقتصر عمله على المهام الإدارية، مما يُبرز التأثير طويل الأمد
للنزاعات المسلّحة على الخدمات الأساسية.
وفي عام 2023، تلقّت المناطق الشرقية من الأنبار الدعم
من اللجنة الدولية في مجال الطب البيطري، بما في ذلك تقديم المساعدة إلى المستشفى
البيطري في الأنبار – الرمادي، وكلية الطب البيطري - جامعة الفلوجة.
وأضاف الدكتور مروان بأن العيادة تُشرف على إنتاج قرابة
8,000 طنٍ من الدجاج الأبيض، و1,500 طنٍ من الأبقار، وكميّات كبيرةٍ من الأغنام
سنويًا، وهذه الأرقام تعكس الدور الحيوي الذي تؤديه العيادة.
كما أكّد الدكتور أسامة أيضًا أن المشهد الزراعي في قضاء
راوة يشهد تطورًا، بينما تظل تربية الدواجن هي الأكثر هيمنة، تليها تربية الأبقار
والأغنام، بينما بدأت المزيد من العوائل بتربية الحيوانات الأليفة – وهي ظاهرة
بدأت بالتزايد بعد النزاع.
تتبع العيادة البيطرية في راوة للمستشفى البيطري في
الأنبار التي تتبع بدورها لدائرة البيطرة العامة في بغداد. وخلال الاشتباكات
المسلّحة، تأثرت هذه العيادة تأثيرًا شديدًا، بينما دُمّرت المؤسسة المحلية
المختصة في قضاء القائم بالكامل، مما ترك فجوةً كبيرةً في خدمات الطب البيطري.
وعلى الرغم من هذه التحديات، يمثّل تدخّل اللجنة الدولية
خطوةً أساسيةً نحو استعادة سبل كسب العيش الزراعية في المنطقة، إذ يشير الدكتور
مروان إلى ذلك قائلًا: "هذا الدعم ليس مجرد معدات، بل هو إشارةُ للأمل وفرصةٌ
لنا لإعادة البناء وتحسين خدماتنا التي نقدمها إلى أبناء مجتمعنا".
إلى جانب استعادة الخدمات، تساهم هذه الجهود في تعزيز
قطاعٍ زراعي أكثر مرونة، مما يضمن استدامة سبل العيش لآلاف الأشخاص في غرب العراق.